مجلس الشراكة المصري ــ الأوروبي وتهميش لحقوق الإنسان

مقال رأي

د. معتز الفجيري

ينمّ خطاب الاتحاد الأوروبي وسلوكه تجاه الحكومة المصرية أخيرا في سياق انعقاد مجلس الشراكة المصري ــ الأوروبي عن حرص أوروبي زائد لبناء علاقات ثنائية وثيقة مع السلطات المصرية، تفوق حساباتها إمكانية أن تشكل قضايا الحقوق والحريات العامة أولوية في إطار هذه العلاقات. فبشكل واضح، أعلن جوزيف بوريل، مسؤول السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي، في أثناء ترحيبه بوزير الخارجية المصري سامح شكري، قبل انعقاد المجلس في مقر الاتحاد الأوروبي في لوكسمبورغ في 20 من الشهر الماضي (يونيو/ حزيران)، أن “مصر هي الشريك الأكثر أهمية ومصداقية للاتحاد الأوروبي”، معلناً توافق الطرفين الأوروبي والمصري على تبنّي أولويات جديدة للشراكة وحزمة جديدة للمساعدات المالية، والتي ستشكّل مجالات العلاقات الثنائية بين الطرفين على مدار السنوات الخمس القادمة في إطار ما يعرف بسياسة الجوار الأوروبية. ليس جديداً أن يتبنّى الاتحاد الأوروبي مقاربة ضعيفة بشكل عام بالنسبة لدعم حقوق الإنسان في دول جنوب المتوسط، تقوم على الاكتفاء بالحوار الودي، من حين إلى آخر، على قضايا الحقوق والحريات، من دون أن تؤثر في مسارات العلاقات الثنائية التجارية أو الأمنية أو العسكرية، إلا أن مستوى الخطاب السياسي، هذه المرّة، في إطار الوثائق الرسمية والمشاورات الدبلوماسية لمجلس الشراكة المصري الأوروبي أخيرا، اتجه إلى تصعيد نوعي في العلاقة مع السلطات المصرية مع تهميشٍ غير مسبوق لقضايا حقوق الإنسان، بالمقارنة مع مجالس الشراكة المصرية ــ الأوروبية السابقة، في وقتٍ تستعد فيه مصر لانطلاق ما يعرف بالحوار الوطني بين السلطة وبعض فصائل المعارضة، في أجواء تسودها الشكوك من جدّية هذا الحوار، والمتوقع منه.

الظرفية الإقليمية والدولية الراهنة عزّزت الموقف السياسي للسلطة المصرية خارجياً في ظل دعم مالي واقتصادي خليجي

ضعف سياسات دعم حقوق الإنسان في دول جنوب المتوسط في إطار سياسة الجوار الأوروبية يعكس فلسفة واقعية في السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي تأثرت بتداعيات انحسار الربيع العربي، وتصاعد موجات الثورات المضادّة في البلدان العربية، وتزايد التخوّفات من خطر الهجرة واللجوء، بالتزامن مع تصاعد اليمين الشعبوي في دول أوروبية. فعلى عكس خطط العمل الثنائية التي كانت تصدُر في إطار سياسة الجوار الأوروبية منذ انطلاقها عام 2004، والتي كانت تعطي اهتماماً أكبر في تحديد أولويات إصلاحات حقوق الإنسان التي ينبغي أن تتّبعها الدول الشريكة للاتحاد الأوروبي، من أجل الحصول على المساعدات الأوروبية، تمثل أولويات الشراكة مسارا توافقيا ثنائيا يحرص على بناء مساحاتٍ واسعة من التوافق في العلاقات الثنائية مع شركاء الاتحاد الأوروبي، وتحقيق دعم سياسي واقتصادي يضمن استقرارا داخليا في تلك الدول.

في هذا السياق، احتلت حقوق الإنسان مكاناً رمزياً وهامشياً في وثيقة أولويات الشراكة المصرية ــ الأوروبية، وكأن الوثيقة تتحدّث عن بلد آخر غير مصر بما تشهده من انتهاكات منهجية للحقوق والحريات الأساسية. ونظراً إلى عدم رغبة الاتحاد الأوروبي في إحراج الحكومة بقضايا حقوق الإنسان وأولوياتها في الوثائق المشتركة، يتجه الاتحاد الأوروبي عادة إلى تناول قضايا حقوق الإنسان في البيان المنفصل الصادر عن الاتحاد الأوروبي، عقب الانتهاء من أعمال المجلس. وقد أعطى البيان مساحةً مبالغا فيها لمدح الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان، باعتبارها مؤشّراً على حرص الحكومة المصرية على الامتثال لحقوق الإنسان. كما منح البيان، بشكل مثير للدهشة، شرعية للقانون الجديد المنظّم لعمل الجمعيات الأهلية رقم 149 لسنة 2019، مطالباً الحكومة بإبداء حسن النيات في تنفيذ القانون، على الرغم مما يحتويه هذا القانون ولائحته التنفيذية من قيود جسيمة، تحول دون وجود مجتمع مدني مستقل في مصر، فقد اضطرت الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان، نهاية العام السابق، إلى إعلان تعليق نشاطها بسبب القيود الواردة في هذا القانون. كما انساق البيان وراء أكاذيب الحكومة المصرية بانتهاء القضية 173، المعروفة إعلامياِ بقضية التمويل الأجنبي، ضد منظمات حقوق الإنسان المستقلة، وهو أمرٌ غير صحيح، فالقضية والتدابير المرتبطة بها من منع سفر وتجميد التصرّف في الأموال والممتلكات ما زالت قائمة ضد عدد من منظمات حقوق الإنسان والقائمين عليها؛ فطبقاً لبيان حديث لمركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان وعدد آخر من المنظمات الحقوقية المصرية “فمن بين 32 حقوقيا سبق وتم وضعهم على قوائم المنع من السفر، ما زال 22 منهم على الأقل رهن المنع، بما في ذلك عدد ممن تم حفظ التحقيقات معهم”.

حجم صادرات الأسلحة من دول الاتحاد الأوروبي إلى الحكومة المصرية من 2013 حتى 2020، نحو 4.6 مليارات دولار

وعلى الرغم من الظروف الاقتصادية الضاغطة التي توجّه الحكومة المصرية، والتي تجعلها نظرياً أكثر قابليةً للاستجابة للضغوط الخارجية في ملف حقوق الإنسان، فالظرفية الإقليمية والدولية الراهنة عزّزت من الموقف السياسي للسلطة المصرية خارجياً في ظل دعم مالي واقتصادي خليجي، والترتيبات الأمنية والاستراتيجية الإقليمية المتوقع بحثها خلال الزيارة الأولى للرئيس الأميركي جو بايدن إلى السعودية في منتصف شهر يوليو/ تموز الحالي، وانعقاد قمة مشتركة بحضور بايدن مع قادة دول مجلس التعاون الخليجي والأردن ومصر. وقد انعقد مجلس الشراكة المصري الأوروبي، أخيرا، بعد أيام من التوقيع على الاتفاقية بين الاتحاد الأوروبي ومصر وإسرائيل في القاهرة، لضمان تصدير الغاز الإسرائيلي عبر مصر إلى دول الاتحاد الأوروبي. ويعد التسريع في تبنّي هذه الاتفاقية واحدا من تداعيات الحرب الروسية ــ الأوكرانية في محاولة من الجانب الأوروبي لتقليل الاعتماد على الغاز الروسي. من ناحية أخرى لا يوجد توافق بين الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي على أهمية حقوق الإنسان كمحدد في العلاقة بين الاتحاد الأوروبي ومصر، في ظل اتساع مساحات الدعم السياسي غير المشروط للحكومة المصرية المقدّم من بلدان أوروبية، في مقدمتها اليونان وقبرص والمجر وبولندا وإيطاليا وفرنسا. ويشهد على قوة هذه العلاقات الثنائية حجم صادرات الأسلحة من دول الاتحاد الأوروبي إلى الحكومة المصرية من 2013 حتى 2020، والتي قدرت بنحو 4.6 مليارات دولار، وقد تصاعدات مبالغ عقود صفقات التسلح مع فرنسا وألمانيا بشكل خاص في عام 2021. ولم تكن مفاجأة في هذا السياق ترشّح الاتحاد الأوروبي مع مصر لرئاسة مشتركة لمنتدى مكافحة الإرهاب في الدورة التي تبدأ في مارس/ آذار 2023، من دون أي اكتراث للتداعيات الإنسانية الجسيمة لما يعرف بالحرب على الإرهاب في مصر على مدار تسع سنوات. كما مثلت قضية حماية السواحل الأوروبية من الهجرة غير النظامية مجالاً آخر لتعاون متزايد في السنوات الأخيرة بين السلطات المصرية والدول الأوروبية جنوب المتوسط وفي مقدمتها إيطاليا. وخصّص الاتحاد الأوروبي، في أعقاب مجلس الشراكة المصري الأوروبي، مبلغ 80 مليون يورو لتقوية أمن الحدود الساحلية المصرية، بما يمنع انسياب الهجرة غير النظامية لسواحل أوروبا.

ختاماً لم تكن الظروف مواتية أمام انعقاد مجلس الشراكة المصري الأوروبي، أخيرا، لكي يمثل فرصة للاتحاد الأوروبي لترجمة حقيقية لمضامين حقوق الإنسان في الشراكة الأوروبية المتوسطية، عبر الضغط على الحكومة المصرية في هذا التوقيت من أجل توسيع مساحة الحقوق والحريات العامة قبيل انطلاق أعمال الحوار الوطني، بل على النقيض من ذلك، كان انعقاد هذا المجلس ومخرجاته، فضلاً عن عدد آخر من التطورات الإقليمية والدولية، بمثابة متنفّس للسلطة المصرية يعزّز وضعيتها الإقليمية والدولية، ويسمح لها، ولو مؤقتاً، باحتواء تداعيات الضغوط الاقتصادية الخانقة، والمطالب الداخلية بالانفتاح السياسي.

نشر في العربي الجديد: https://bit.ly/3AzuxOe

أخبار متعلقة

مسارات بديلة للعدالة الانتقالية في مصر

استكمالا لسلسة أوراق #مداولات_المهجر المنبر المصري لحقوق الأنسان يصدر ورقة ” مسارات بديلة للعدالة الانتقالية في مصر” تقترح هذه الورقة  إنشاء