مداولات المهجر: الدين والدولة وحقوق الإنسان في مصر

مقال رأي

بقلم : معتز الفجيري

 

شكّلت ترتيبات العلاقة بين الدين والدولة، وتداعياتها المحتملة على مضمون الحقوق الدستورية، واحترام الاتفاقات الدولية لحقوق الإنسان الدولية، أحد الإشكالات التي واجهت التحولات السياسية العربية في العقد الأخير، فقد أدّت إلى استقطاب مجتمعي، وانقسام بين النخب السياسية نتج عنه، إلى جانب عوامل أخرى، إحداث توترات في مسار الانتقال السياسي في مصر، والذي انتهى بانقلاب عسكري أطاح حكومة الإخوان المسلمين في مصر في يوليو/ تموز 2013. ومن المتوقّع أن تحافظ هذه القضية على صبغتها الخلافية التي تؤرّق دعاة الديمقراطية، والتغيير السياسي في مصر. إيجاد صياغة توافقية جديدة لترتيبات العلاقة بين الدين والدولة وحقوق الإنسان كان موضوع أطروحة أطلقها المنبر المصري لحقوق الإنسان الشهر الماضي (ديسمبر/ كانون الأول) في ذكرى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، اقتراحا من حقوقيين مصريين للدفع باتجاه توافق عام يتجاوز الاستقطاب على الهوية الذي ما زال يحول دون إحداث تفاهم سياسي جديد بين مختلف مكونات المجتمع السياسي والمدني. وتأتي هذه الأطروحة في افتتاح سلسلة أوراق مداولات المهجر التي شاركت في التشاور بشأنها على مدار عامين مجموعة واسعة من نشطاء حقوق الإنسان، والنشطاء السياسيين المصريين المقيمين حالياً خارج البلاد، وهدفت إلى الاشتباك مع زوايا متعدّدة من أزمة حقوق الإنسان في مصر، مستخلصة الدروس والمراجعات من تجارب الانتقال السياسي في مرحلة ما بعد الربيع العربي في مصر، وبلدان عربية أخرى.

يتطلب التوافق في قضية شائكة، مثل العلاقة بين الدين والدولة، قدراً عالياً من المرونة من مختلف التوجهات السياسية، فضلاً عن فهم عميق للتخوفات والمطالب المشروعة التي تتبنّاها قطاعات من المجتمع، وبشكل خاص الأقليات الدينية. وعلى الرغم من قناعة كاتب هذه السطور بأن الفصل الكامل بين الدين والدولة في الدستور يعدّ النموذج الأكثر اتساقاً مع مرجعية حقوق الإنسان، والأكثر قدرةً على تحقيق حياد الدولة تجاه معتنقي مختلف الأديان، إلا أنه يدرك أيضًا أن هذا السيناريو ليس محلّ توافق سياسي ومجتمعي واسع في المرحلة الراهنة. الأمر الذي يتطلب البحث في حلول أخرى، توفق بين الإحالة الدستورية للتقاليد الدينية وحق المصريين في التمتع بحقوق المواطنة الكاملة من دون تمييز. تنبع معظم المخاوف من التنصيص الدستوري على أن تكون الشريعة الإسلامية مصدراً رئيسياً للتشريع، أو إقامة علاقة مؤسّسية بين الـدين والدولة من أن يقوض ذلك حقوقا وحرّيات أساسية، وبشكل خاص، حقوق الأقليات الدينية، وحقوق المرأة والطفل، حرية الرأي والتعبير. هذه المخاوف هي وليدة عقود من الممارسات السياسية والقانونية، والاجتهادات الفكرية الجامدة، سواء في مصر أو غيرها من البلدان الإسلامية، والتي انتقصت من حقوق الإنسان تحت ذريعة احترام القيم الدينية أو أحكام الشريعة الإسلامية. إلا أن معطياتٍ تراكمت خلال العقد الأخير، وتجعل من التأسيس لتوافق تدريجي جديد حول العلاقة بين الشريعة الإسلامية وحقوق الإنسان ممكناً، فقد أظهرت التفاعلات السياسية العربية مركزية أجندة حقوق الإنسان في مقاومة السلطوية، والنضال من أجل الديمقراطية، في ظل تصاعد المطالب الحقوقية على جميع المستويات المجتمعية، وفي مختلف المجالات، بما فيها الموضوعات التي كانت تعدّ سابقاً من المحظورات المجتمعية، مثل المساواة الكاملة بين الرجل والمرأة في الفضاءات العامة والخاصة، وقضايا الحقوق الشخصية، وحرية الدين والمعتقد. تزامن ذلك مع تطوّر الجدل السياسي بشأن أجندة الحقوق على النحو الذي رأيناه في النقاش المجتمعي الحي حول قضية المساواة بين الرجل والمرأة في الميراث في تونس والمغرب، أو حول حقوق المرأة في دول مجلس التعاون الخليجي. لم تنفصل معظم هذه النقاشات عن التراث الفكري والإسلامي للمجتمعات العربية، ولم تبحث عن حلول من خارجه، بل إن تنوع الفقه الإسلامي الكلاسيكي والمعاصر ومرونته يمكن أن يمثلا انطلاقة في توسيع نطاق الحقوق من داخل المنظور الإسلامي.

اقترح المنبر المصري لحقوق الإنسان إجراءات تساعد في تقديم تفسيرات وسطية وتقدّمية للمادة الثانية من الدستور المصري

اقترح المنبر المصري لحقوق الإنسان في هذا السياق إجراءاتٍ تساعد في تقديم تفسيرات وسطية وتقدّمية للمادة الثانية من الدستور المصري، والتي يمكن أن تساهم، على المدى الطويل، في توسيع نطاق الحقوق الدستورية، والتوافق حولها، وتحول دون الانتقاص من الحقوق التي تم اكتسابها بالفعل على المستوى التشريعي خلال العقود السابقة. لقد دفعت رغبة الأحزاب الإسلامية في الحفاظ على علوية المادة الثانية من الدستور، والتي تنصّ على أن “الإسلام دين الدولة ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع”، أو قلق التيارات الليبرالية واليسارية من تبعاتها على الحقوق والحريات، المشرع الدستوري في مرحلة ما بعد ثورة يناير للتنصيص على نمط تفسيري محدّد لهذه المادة. ففي دستور 2012 تم استحداث المادة 219 التي قدّمت شرحا عاما لمناهج الفقه الإسلامي الكلاسيكي ومبادئه، محاولة من التيار الإسلامي في حماية المادة، والخوف من أي تفسيراتٍ تحيد عن مخيلاتهم وتوقعاتهم من هذه المادة. في المقابل، وفي محاولة للقطيعة مع هذه المادّة، حصّن دستور 2014، في ديباجته، المنهج التفسيري الذي اتبعته المحكمة الدستورية العليا للمادة الثانية من الدستور منذ الثمانينيات من القرن السابق، والذي على الرغم من تفسيراته المتقدّمة للحقوق الدستورية لا يخلو من تناقضات تحول دون إحداث إصلاحات جديدة في قانون الأحوال الشخصية.

يقوم اقتراح المنبر على ترك تفسير المادة الثانية من الدستور، والتي تنصّ على أن “الإسلام دين الدولة، ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع” للقضاء الدستوري، من دون تقديم منهج فقهي محدّد في الدستور يلزم القضاة باتباعه، وأن تكون ضمانات حماية الحقوق والحريات من خارج المادة الثانية، لاحتواء أي محاولاتٍ لتوظيفها من أجل تقييد الحقوق الدستورية، أو الانتقاص من المكتسبات الحقوقية التي تحققت على مدار العقود السابقة، سيما في مجال حقوق المرأة، والطفل، وحقوق المواطنة. تبدأ هذه الضمانات بالتوافق على وثيقة للحقوق، تمثل توافق الحد الأدنى حول ضمانات الحقوق والحريات الأساسية التي تشكل الأساس الذي تقوم عليه التفسيرات الدستورية والتشريعية، فوثيقة الحقوق تمثل الإطار العام الحاكم للنص الدستوري، والتشريعات.

يتطلب التوافق في قضية شائكة، مثل العلاقة بين الدين والدولة، قدراً عالياً من المرونة من مختلف التوجهات السياسية

من ناحية أخرى، يساعد الاندماج في القانون الدولي لحقوق الإنسان، عبر إكمال التصديق على اتفاقات حقوق الإنسان الدولية والإقليمية، في الإدماج التدريجي لحقوق الإنسان في البنية الدستورية والتشريعية المصرية. ولا بد أن يقترن ذلك برفع مكانة القانون الدولي لحقوق الإنسان، ليكون أسمى من التشريع الوطني على شاكلة الدستور التونسي لعام 2014، فضلاً عن تشجيع الدستور القضاة على استلهام الفقه الدستوري والقانوني الدولي والمقارن عند تفسير الحقوق الدستورية. وتمكن الإشارة، في هذا السياق، إلى تجربة دستور جنوب أفريقيا في مرحلة التحوّل الديمقراطي بعد انتهاء حقبة التمييز العنصري، حيث تبنّى الدستور وثيقة شاملة للحقوق، شكّلت، في ما بعد، مصدر الفقه الدستوري الشهير، والمعروف عن المحكمة الدستورية في جنوب أفريقيا. فقد نصت المادة 39 من دستور جنوب أفريقيا على أنه “عند تفسير وثيقة الحقوق، على المحاكم العادية أو الخاصة أو غير الرسمية أن تعزّز القيم التي تمثل أساس مجتمع مفتوح وديمقراطي، يقوم على الكرامة الإنسانية، والمساواة والحرية، وأن تنظر في القانون الدولي، ويجوز لها أن تنظر في القانون الأجنبي”. وأخيراً، يقترح المنبر أيضاً ضرورة سحب التحفظات ذات الصبغة العامة المستندة للشريعة الإسلامية، والتي أعلنتها الحكومة المصرية منذ الثمانينيات من القرن العشرين على اتفاقات حقوق الإنسان الدولية، حلا بديلا يمكن تحديد هذه التحفظات بشكل مؤقت إلى حين أن يكون هناك توافق مجتمعي على مكوّنات الحقوق المتحفظ عليها. ولكن أهمية سحب هذه التحفظات العامة تكمن في ألا توضع الشريعة الإسلامية الغراء في مواجهة اتفاقاتٍ تحمي الإنسان وتصون حقوقه وكرامته. وبالفعل، تسير الممارسات في الدول الإسلامية خلال العقد الأخير في التقليل من هذه التحفظات، أو سحب معظمها بالكامل كما جرى في تونس في مرحلة ما بعد الثورة.

التوافق على صيغة مناسبة للعلاقة بين الدين والدولة تضمن الحد الأدنى لحماية جميع مكونات المجتمع، على اختلافاتها الأيديولوجية والدينية، بعيدًا عن معادلات الصّراع أو الإقصاء، يعد من الأسئلة الجوهرية في التفكير بشأن مستقبل النضال الديمقراطي في مصر. كما يعد هذا التوافق خطوة ضرورية في اتّجاه ترشيد مشاركة الأحزاب ذات المرجعية الدينية في الحياة السياسية والعامة في البلاد، وإعادة تصميمها على أسس واضحة تعمل على احتواء الاستقطاب الديني، والتعبئة على أساس الهوية التي كانت من العوامل التي ساهمت في إخفاق تجربة التحول الديمقراطي في مصر.

 

نشر المقال بموقع العربي الجديد: https://www.alaraby.co.uk/opinion/مداولات-المهجر-الدين-والدولة-وحقوق-الإنسان-في-مصر

 

أخبار متعلقة